شكّل عام 2025 أحد أكثر الأعوام كثافة وزخمًا في مسار الحراك الشعبي الدولي لكسر الحصار عن قطاع غزة، في ظل استمرار حرب الإبادة الجماعية، وسياسة التجويع الممنهج، والحصار البري والبحري الخانق، وسط صمت رسمي دولي، وفشل المنظومة السياسية والقانونية العالمية في وقف الجرائم أو حماية المواطنين.
تصاعدت المبادرات الشعبية والبحرية، التي شاركت في تنظيمها وتنسيقها اللجنة الدولية لكسر الحصار عن غزة، لتتحول إلى فعل ميداني مباشر، يعكس تنامي الغضب الشعبي العالمي، ويضع الاحتلال الإسرائيلي في مواجهة مفتوحة مع الرأي العام الدولي.
قصف “سفينة الضمير”
مع مطلع شهر أيار من عام 2025، وفي ذروة العدوان على غزة، ومع تحضر سفينة الضمير لخطة إبحار نحو غزة تعرضت السفينة وفي سابقة خطير لقصف بالقرب من موانئ مالطا من المرجح أنه بفعل الاحتلال الإسرائيلي ما تسبب بأضرار مادية
مادلين .. رد الإصرار السريع
جاء إبحار سفينة “مادلين” كأولى المبادرات البحرية لهذا العام، حاملة رسالة تضامن واضحة مع المدنيين المحاصرين، ورسالة رفض للصمت الدولي المتواطئ وإصرار على رسالة كسر الحصار سيما بعد أسابيع قليلة من الاعتداء على سفينة الضمير
جاءت “مادلين” في توقيت كانت فيه المجازر اليومية والتجويع القسري قد بلغا مستويات غير مسبوقة، لتؤكد أن الحصار لم يعد يُواجَه بالبيانات فقط، بل بالفعل.
وقد تعرّضت السفينة الاي حملت شخصيات ونواب من حول العالم لاعتراض من قبل قوات الاحتلال في عرض البحر، وجرى احتجاز عدد الناشطين الدوليين المشاركين فيها، في انتهاك صارخ للقانون الدولي وحرية الملاحة، ما أعاد قضية الحصار إلى واجهة الإعلام والنقاشات الحقوقية في عدة دول.
سفينة “حنظلة”: من أجول الطفولة المسلوبة
كانت السفينة “حنظلة”، التي حملت اسم الرمز الفلسطيني الأشهر للشهادة الدائمة على الظلم هي المحاولة التالية .
جاءت هذه السفينة في لحظة تصاعد غير مسبوق لاستهداف الأطفال في غزة، لتقول إن الضحايا ليسوا أرقامًا، وإن العالم لا يستطيع الادعاء بعدم المعرفة.
وكما سابقاتها، واجهت “حنظلة” اعتراضًا إسرائيليًا مباشرًا، وجرى اعتقال الناشطين على متنها، والاعتداء عليهم في رسالة واضحة بأن الاحتلال لا يكتفي بمحاصرة غزة، بل يسعى إلى قمع كل محاولة سلمية لكسر هذا الحصار أو فضح طبيعته الإجرامية.
أسطول الصمود العالمي : ذروة التحدي الجماعي
مثّل أسطول الصمود ذروة الحراك البحري خلال عام 2025، حيث شاركت فيه عشرات السفن لأول مرة ، انطلقت ضمن تحرك منسّق من موانئ ايطاليا واسبانيا وتونس واليونان وليبيا، حمل طابعًا سياسيًا وشعبيًا واسعًا، وجمع متضامنين من دول وخلفيات متعددة.
لم يكن هذا الأسطول مجرد مبادرة إنسانية، بل تحديًا مباشرًا لسياسة الحصار، ورسالة مفادها أن غزة لم تعد قضية منسية، وأن المجتمع المدني العالمي قادر على الفعل، حتى في ظل العجز الرسمي.
وقد واجه الأسطول تدخلًا عسكريًا إسرائيليًا، شمل قصف لسفن في تونس واعتراض السفن واحتجاز المشاركين فيها، في مشهد أكد مرة أخرى الطبيعة القمعية وغير القانونية للحصار المفروض على القطاع.
ورغم ذلك شكل هذا التحرك انتقال نوعي ورغبة جارفة لدى الآلاف بالمساهمة الفعلية في كسر الحصار وأي تحرك قادم سيما مع وصول إحدى السفن لأقرب نقطة داخل المياه الإقليمية لغزة.
موجة جديدة من السفن وعودة الضمير محملة بالصحفيين والأطباء
بعد ساعات فقط من اعتراض أسطول الصمود، لم يتراجع الحراك، بل دخل مرحلة جديدة اتسمت بتوسّع المبادرات وتنوعها، حيث انطلقت موجة جديدة من السفن التضامنية، شارك فيها صحفيون، وأطباء، ونشطاء حقوق إنسان من مختلف أنحاء.
وبرزت في هذه الموجة سفينة “الضمير” مجددا التي حملت على متنها وفي مبادرة نوعية أطباء وصحفيين من كل أنحاء العالم كونهما من أكثر القطاعات تضررا ومحاولة للتحييد ومنع إيصال حقيقة الصور وكون ما يجري في غزة ليس فقط كارثة إنسانية، بل انهيار أخلاقي شامل للضمير الرسمي العالمي تجاه الإبادة والحصار الإسرائيلي.
ضمّت السفينة صحفيين دوليين سعوا لكسر التعتيم الإعلامي المفروض على الجرائم، وأطباء أرادوا إيصال رسالة واضحة مفادها أن استهداف المستشفيات والمرضى والكوادر الطبية جريمة حرب موثقة.
وكغيرها من السفن، تعرّضت “الضمير” لاعتراض الاحتلال، الذي تعامل معها كتهديد، في محاولة لإسكات الشهود قبل وصولهم إلى غزة.
وفي انتهاك فظيع برزت شهادة بعض الناشطين من بينهم صحفية ألمانية تحدثت عن انتهاكات واعتداءات جنسية بحقها من جنود الاحتلال الإسرائيلي .
ومع كل مجزرة، وكل صورة لطفل جائع أو مستشفى مدمر، اتسعت دائرة التضامن، وخرج الحراك من إطار الاحتجاج الرمزي إلى الفعل الميداني المباشر، في البحر، حيث ظنّ الاحتلال أن كلفة جرائمه أقل.
لكن كل تلك المحاولات كانت أقل ما يمكن مقارنة بحجم الكارثة والإبادة التي تعرّض لها القطاع.
نهاية العام | الخيام، البرد، وانتهاك اتفاق وقف إطلاق النار
مع إعلان وقف إطلاق النار في أواخر عام 2025، لم تتوقف معاناة الفلسطينيين في غزة.
فرغم توقف العمليات العسكرية الواسعة، واصل الاحتلال انتهاكاته للاتفاق مرة تلو الأخرى، وأبقى الحصار قائمًا، ومنع إدخال الاحتياجات الأساسية، لا سيما مواد الإيواء والتدفئة.
ومع قدوم فصل الشتاء القاسي، دخلت معاناة جديدة طورًا أشد قسوة، حيث عاش مئات آلاف النازحين في خيام مهترئة، غمرتها الأمطار والرياح، وسُجّلت وفيات، خاصة بين الأطفال وكبار السن، نتيجة البرد وانعدام الرعاية الصحية، في مشهد عكس أن الحرب لم تنتهِ فعليًا، بل تغيّر شكلها.
اجتماع دبلن | التخطيط لمرحلة جديدة
في ختام العام، اجتمعت الأطر العاملة في حراك كسر الحصار عن غزة في مدينة دبلن، في لقاء تنسيقي موسّع، خُصص لتقييم تجربة عام 2025، وبحث سبل تطوير العمل للمرحلة المقبلة.
وقد تم خلال الاجتماع الاتفاق على تسيير أسطول بحري ضخم وغير مسبوق وتطوير خطط ميدانية وإعلامية وقانونية موازية والاستمرار في مواجهة الحصار والإبادة بأشكال متعددة، حتى في ظل وقف إطلاق النار الهش.
الجهود متواضعة… أمام تضحيات غزة
تؤكد اللجنة الدولية لكسر الحصار عن غزة، وهي تختتم هذا العام، أن كل هذه الجهود، رغم أهميتها ورمزيتها، تبقى متواضعة أمام حجم التضحيات الهائلة التي يقدمها أهالي غزة.
فبينما يواجه الناشطون الاعتقال والترحيل، يواجه الفلسطينيون القتل والجوع والبرد وفقدان كل مقومات الحياة، في واحدة من أوضح الجرائم في التاريخ الحديث.
ومع ذلك، سيبقى الحراك مستمرًا، لأن الحصار جريمة، ولأن الصمت شراكة فيها، ولأن غزة، رغم كل الألم، ليست وحدها.
